نصر حامد أبو زيد

40

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

العام للوحي ، فإننا هنا نكتفي بهذه الإشارة ، وسنعود لمناقشة علاقة القرآن بالشعر وبالسجع وذلك عند حديثنا عن علاقة النص بالنصوص الأخرى في الثقافة في الفصل الخاص بالاعجاز . 3 - الوحي بالقرآن إن الموقف الاتصالي المتضمن في حالة الوحي بالنص يختلف عن المواقف الاتصالية التي ناقشناها حتى الآن من حيث إنه أكثر تعقيدا . إن طرفي الاتصال الأساسيين في عملية الوحي النبوي هما اللّه في جانب والرسول البشر في جانب آخر . وقد عبر القرآن عن هذا الاتصال بأنه « القاء » وذلك في السورة الثانية من حيث ترتيب النزول وهي سورة المزمل « إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا » « 1 » . ومن المعروف أن المتحدث المعبر عنه بالضمير « نا » في هذه الآية هو ذات المذكور في الآيات الأولى « اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ » من سورة « العلق » . الاتصال اذن يتم من خلال « الالقاء » والشفرة المستخدمة في الاتصال هي « القول » . وفي آيات أخرى من القرآن تم التعبير عن « الالقاء » بالتنزيل ، وعن « القول » بالكلام . أ - إن اتصال اللّه بالبشر - أو كلام اللّه للبشر - له طرائق محددة عبر عنها النص ذاته على النحو التالي : - « وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ . وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ، ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا « 2 » . أولى هذه الطرائق « الوحي » بالمعنى السالف الذي ناقشناه في الفقرة السابقة ، وهو ما يطلق عليه العلماء « الالهام » مثل الوحي إلى أم موسى وإلى النحل وإلى الملائكة وكل وحي يتميز بالخصوصية والسرية . والطريقة الثانية من طرائق كلام اللّه للبشر الكلام من وراء حجاب وذلك كلامه لموسى من وراء حجاب الشجرة والنار والجبل . ونلاحظ في حالتين من حالات الكلام من وراء الحجاب أنه قد عبر عن بداية الكلام بالنداء : فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى . إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً . وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى « 3 » . وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ « 4 » .

--> ( 1 ) الآية رقم 5 ( 2 ) سورة الشورى : الآيات 51 - 52 . ( 3 ) سورة طه : الآيات 11 - 13 . ( 4 ) سورة مريم : الآية 52 .